كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وَالصَّلَاةُ الْوُسْطَى هِيَ إِحْدَى الْخَمْسِ، وَالْوُسْطَى مُؤَنَّثُ الْأَوْسَطِ، وَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ أَوْ أَشْيَاءَ لَهَا طَرَفَانِ مُتَسَاوِيَانِ، وَبِمَعْنَى الْأَفْضَلِ، وَبِكُلٍّ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ قَالَ قَائِلُونَ؛ وَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي أَيِّ الصَّلَوَاتِ أَفْضَلُ وَأَيَّتُهَا الْمُتَوَسِّطَةُ؟ وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ قَوْلًا أَوْرَدَهَا الشَّوْكَانِيُّ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ أَصَحُّهَا رِوَايَةً مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ كَوْنِهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ مَرْفُوعًا «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ» وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنْهُ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: «مَلَأَ اللهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ» وَلَمْ يَذْكُرِ الْعَصْرَ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا الظُّهْرُ لِأَنَّهُ شُغِلَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ عَنْهَا وَعَنِ الْعَصْرِ جَمِيعًا وَهِيَ مُتَوَسِّطَةٌ، وَكَانَتْ تَشُقُّ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهَا تُؤَدَّى فِي وَقْتِ الْحَرِّ وَالْعَمَلِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ «كُنَّا نَعُدُّهَا الْفَجْرَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ» وَوَجْهُ مَا رَوَاهُ أَوَّلًا تَوَسُّطُهَا وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدَلْوِكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [17: 78] فَقَدْ أَشَارَ فِي الْآيَةِ إِلَى الصَّلَوَاتِ، وَجَعَلَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ مَزِيَّةً خَاصَّةً بِهَا، وَهِيَ كَوْنُ قُرْآنِهَا مَشْهُودًا، وَوَرَدَ فِي مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَشْهَدُهَا مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ، وَفِي الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ صَلَاةَ الْعَصْرِ تَشَارِكُ صَلَاةَ الْفَجْرِ بِهَذِهِ الْمَزِيَّةِ، وَلِأَصْحَابِ الْأَقْوَالِ الْأُخْرَى فِي تَعْيِينِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى أَحَادِيثُ لَا تَصِلُ إِلَى دَرَجَةِ مَا وَرَدَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَقِيلَ: هِيَ الْفَجْرُ، وَقِيلَ: هِيَ الظُّهْرُ، وَقِيلَ: هِيَ الْمَغْرِبُ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: هِيَ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَبْهَمَ الصَّلَاةَ الْفُضْلَى الَّتِي ثَوَابُهَا أَكْثَرُ لِنُحَافِظَ عَلَى كُلِّ صَلَاةٍ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَلَوْلَا أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا إِحْدَى الْخَمْسِ لَكَانَ يَتَبَادَرُ إِلَى فَهْمِي مِنْ قَوْلِهِ: {وَالصَّلَاةُ الْوُسْطَى} أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ الْفِعْلُ، وَبِالْوُسْطَى الْفُضْلَى؛ أَيْ: حَافِظُوا عَلَى أَفْضَلِ أَنْوَاعِ الصَّلَاةِ؛ وَهِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي يَحْضُرُ فِيهَا الْقَلْبُ وَتَتَوَجَّهُ بِهَا النَّفْسُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَتَخْشَعُ لِذِكْرِهِ وَتَدَبُّرِ كَلَامِهِ، لَا صَلَاةُ الْمُرَائِينَ وَلَا الْغَافِلِينَ.
وَيُقَوِّي هَذَا قَوْلُهُ بَعْدَهَا: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} فَهُوَ بَيَانٌ لِمَعْنَى الْفَضْلِ فِي الْفُضْلَى وَتَأْكِيدٌ لَهُ، إِذْ قَالُوا: إِنَّ فِي الْقُنُوتِ مَعْنَى الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الضَّرَاعَةِ وَالْخُشُوعِ؛ أَيْ: قُومُوا مُلْتَزِمِينَ لِخَشْيَةِ اللهِ تَعَالَى وَاسْتِشْعَارِ هَيْبَتِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَلَا تَكْمُلُ الصَّلَاةُ وَتَكُونُ حَقِيقِيَّةً يَنْشَأُ عَنْهَا مَا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى مِنْ فَائِدَتِهَا إِلَّا بِهَذَا، وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّفَرُّغِ مِنْ كُلِّ فِكْرٍ وَعَمَلٍ يَشْغَلُ عَنْ حُضُورِ الْقَلْبِ فِي الصَّلَاةِ وَخُشُوعِهِ، لِمَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ اللهِ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ.
أَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُحْدَثِينَ: إِنَّ لَفْظَ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ مُدْرَجٌ مِنْ تَفْسِيرِ الرَّاوِي. قَالُوا: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِيهَا، وَأَيَّدُوا ذَلِكَ بِبَعْضِ الرِّوَايَاتِ كَرِوَايَةِ مُسْلِمٍ: «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ؛ يَعْنِي صَلَاةَ الْعَصْرِ» وَمَا قَالَهُ فِي الْقُنُوتِ هُوَ لِبَابِ الْأَقْوَالِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَوْصَلَهَا ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِلَى عَشَرَةٍ، نَظَمَهَا فِي قَوْلِهِ:
وَلَفْظُ الْقُنُوتِ اعْدُدْ مَعَانِيهِ تَجِدْ مَزِيدًا ** عَلَى عَشْرِ مَعَانِي مُرْضِيَةْ

دُعَاءٌ خُشُوعٌ وَالْعِبَادَةُ طَاعَةٌ ** إِقَامَتُهَا إِقْرَارُنَا بِالْعُبُودِيَةْ

سُكُوتٌ صَلَاةٌ وَالْقِيَامُ وَطُولُهُ ** كَذَاكَ دَوَامُ الطَّاعَةِ الرَّابِحُ النِّيَةْ

وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مَا عَدَا ابْنَ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ يُكَلِّمُ الرَّجُلُ مِنَّا صَاحِبَهُ وَهُوَ إِلَى جَنْبِهِ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ وَذَلِكَ أَنَّ الْقُنُوتَ عِبَارَةٌ عَنِ الِانْصِرَافِ عَنْ شُئُونِ الدُّنْيَا إِلَى مُنَاجَاةِ اللهِ تَعَالَى وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ لِدُعَائِهِ وَذِكْرِهِ، وَحَدِيثُ النَّاسِ مُنَافٍ لَهُ، فَيَلْزَمُ مِنَ الْقُنُوتِ تَرْكُهُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَالَ: «كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ، فَقُلْنَا- أَيْ بَعْدَ الصَّلَاةِ- يَا رَسُولَ اللهِ كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فِي الصَّلَاةِ فَتَرُدُّ عَلَيْنَا فَقَالَ: إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا» وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: الْمُرَادُ بِالْقُنُوتِ هُنَا الْقُنُوتُ الْمَعْرُوفُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَهُوَ إِنْ صَحَّ يُرَجَّحُ أَنَّهَا الصَّلَاةُ الْوُسْطَى.
الْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَوَاتِ آيَةُ الْإِيمَانِ الْكُبْرَى، وَقَدْ جَعَلَ الشَّرْعُ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْإِسْلَامِ وَأُخُوَّةِ الدِّينِ وَمَا لَهُ مِنَ الْحُقُوقِ، قَالَ تَعَالَى فِي أَوَائِلِ سُورَةِ التَّوْبَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الْمُعْتَدِينَ: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [9: 11] وَالْأَحَادِيثُ فِي مَنْطُوقِ الْآيَةِ وَمَفْهُومِهَا كَثِيرَةٌ، مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ هُنَا الْمُشْرِكُونَ أَهْلُ الْأَوْثَانِ لَا أَهْلَ الْكِتَابِ الَّذِينَ تُقْبَلُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ وَمَنْ فِي حُكْمِهِمْ كَالْمَجُوسِ، ذَلِكَ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا يُقَاوِمُونَ دَعْوَةَ الْإِسْلَامِ مَا لَا يُقَاوِمُهَا سِوَاهُمْ، وَكَانَ اسْتِقْرَارُ الدِّينِ مِنْ غَيْرِ دُخُولِ مُشْرِكِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فِي الْإِسْلَامِ ضَرْبًا مِنَ الْمُحَالِ، وَالْكَلَامُ هُنَا فِي مَكَانَةِ الصَّلَاةِ مِنَ الْإِسْلَامِ لَا فِي الدَّعْوَةِ وَحِمَايَتِهَا. وَرَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» صَحَّحَهُ النَّسَائِيُّ وَالْعِرَاقِيُّ، وَرَوَى أَحْمَدُ والطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَقَالَ: «مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نُورًا وَلَا بُرْهَانًا وَلَا نَجَاةً، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ» وَفِي الْآثَارِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى ذَلِكَ؛ فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ- وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ».
أَرَأَيْتَ هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَزِيزَةَ، وَالْأَحَادِيثَ النَّاطِقَةَ بِالْعَزِيمَةِ، قَدْ نَالَ التَّأْوِيلُ مِنْهَا نَيْلَهُ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي، وَأَعْرَضَ جَمَاهِيرُ الْمُسْلِمِينَ عَنْهَا فِي الزَّمَنِ الْحَاضِرِ، حَتَّى كَثُرَ التَّارِكُونَ الْغَافِلُونَ وَالْمَارِقُونَ، وَقَلَّ عَدَدُ الْمُصَلِّينَ السَّاهِينَ وَنَدَرَ الْمُصَلُّونَ الْمُحَافِظُونَ؟ ذَلِكَ أَنَّ الْإِسْلَامَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ، الَّذِينَ يَصِفُونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْمُتَمَدِّنِينَ قَدْ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ عَقِيدَةً دِينِيَّةً، إِلَى كَوْنِهِ جِنْسِيَّةً سِيَاسِيَّةً، آيَةُ الِاسْتِمْسَاكِ بِهِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ وَالدِّفَاعِ عَنْهُ مَدْحُ كُبَرَاءِ حُكَّامِهِ وَإِنْ كَانُوا لَا يُقِيمُونَ حُدُودَهُ وَلَا يُنَفِّذُونَ أَحْكَامَهُ، بَلْ رَفَعُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَى مَرْتَبَةِ التَّشْرِيعِ الْعَامِّ، وَاسْتِبْدَالِ الْقَوَانِينِ الْوَضْعِيَّةِ بِمَا نَزَّلَ اللهُ مِنَ الْأَحْكَامِ، فَلَا غَرْوَ أَنْ يُعَدَّ الَّذِي يَلْغُو بِمَدْحِ دَوْلَتِهِ أَوْ بِذَمِّ عَدُوٍّ لَهَا مِنْ أَكْبَرِ أَنْصَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ عَقِيدَتِهِ وَلَا يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَلَا يُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَلَا يَحْفِلُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُخْلِصًا فِي دِفَاعِهِ يَتَحَرَّى بِهِ وَجْهَ الْمَنْفَعَةِ الْعَامَّةِ لَا تَتَبُّعِ طُرَقَ الْمَالِ وَالْجَاهِ، أَرَأَيْتَ هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ سِيَاسَةً؟ وَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَتُتْلَى عَلَيْهِ تِلْكَ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ فَيُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَصُدُّهُ عَنْهَا عَدَمُ إِيمَانِهِ بِهَا وَهُوَ الَّذِي قَدْ يَصِفُ نَفْسَهُ أَوْ يَصِفُهُ أَقْرَانُهُ بِالْمُتَمَدِّنِ وَالْمُتَنَوِّرِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَصْدِفُ بِهِ عَنْهَا الِاتِّكَالُ عَلَى شَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ، وَالْغُرُورُ بِالِانْتِسَابِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَالِاعْتِقَادُ بِأَنَّ النِّسْبَةَ إِلَيْهِ كَافِيَةٌ فِي نَيْلِ سَعَادَةِ الْآخِرَةِ وَعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ فِيهَا عَلَى شَيْءٍ، وَلاسيما الَّذِي يُسَمِّي نَفْسَهُ مَحْسُوبًا عَلَى أَحَدِ الصَّالِحِينَ وَهَذَا اعْتِقَادُ أَكْثَرِ الْعَامَّةِ، وَلَهُمْ مِنْ مَشَايِخِ الطُّرُقِ وَغَيْرِهِمْ مَا يُمِدُّهُمْ فِي غَيِّهِمْ وَيَسْتَدْرِجُهُمْ فِي غُرُورِهِمْ، وَمَا أَعْظَمَ غُرُورَ مَنْ يَأْخُذُ مِنْهُمُ الْعَهْدَ وَيُحَافِظُ عَلَى الْوِرْدِ.
نَعَمْ إِنَّ لِلْإِسْلَامِ دَوْلَةً وَإِنْ كَانَ هُوَ فِي نَفْسِهِ دِينًا لَا جِنْسِيَّةً، وَوَظِيفَةُ دَوْلَتِهِ أَوْ حُكُومَتِهِ إِنَّمَا هِيَ نَشْرُ دَعْوَتِهِ، وَحِفْظُ عَقَائِدِهِ وَآدَابِهِ، وَإِقَامَةُ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ، وَتَنْفِيذُ أَحْكَامِهِ فِي دَارِهِ، فَمَنْ يَنْصُرُ حُكُومَةَ الْإِسْلَامِ فَإِنَّمَا يَنْصُرُهَا بِمُسَاعَدَتِهَا عَلَى ذَلِكَ بِالْعَمَلِ بِهِ فِي نَفْسِهِ، وَبِحَمْلِ غَيْرِهِ مِنْ حَاكِمٍ وَمَحْكُومٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُقَوِّمُ وَالْمُعَزِّزُ لِلْأُمَّةِ، وَإِنَّمَا الدَّوْلَةُ بِالْأُمَّةِ.
وَإِنَّ إِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ هُمَا أَعْظَمُ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، فَالصَّلَاةُ هِيَ الرُّكْنُ الرَّكِينُ لِصَلَاحِ النُّفُوسِ، وَالزَّكَاةُ هِيَ الرُّكْنُ الرَّكِينُ لِصَلَاحِ الِاجْتِمَاعِ، فَإِذَا هُدِمَا فَلَا إِسْلَامَ فِي الدَّوْلَةِ.
مَاذَا كَانَ مِنْ أَثَرِ تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالتَّهَاوُنِ بِالدِّينِ فِي الْمُدُنِ وَالْقُرَى وَالْمَزَارِعِ؟ كَانَ مِنْ أَثَرِهِ فِي الْمُدُنِ فُشُوُّ الْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ، تَجِدُ حَانَاتِ الْخَمْرِ وَمَوَاخِيرَ الْفُجُورِ وَالرَّقْصِ وَبُيُوتَ الْقِمَارِ غَاصَّةً بِخَاصَّةِ النَّاسِ وَعَامَّتِهِمْ حَتَّى فِي لَيَالِي رَمَضَانَ، لَيَالِي الذِّكْرِ وَالْقُرْآنِ، وَعَبَدَ النَّاسُ الْمَالَ، لَا يُبَالُونَ أَجَاءَ مِنْ حَرَامٍ أَمْ مِنْ حَلَالٍ، وَانْقَبَضَتِ الْأَيْدِي عَنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ، وَانْبَسَطَتْ فِي أَفْعَالِ الشَّرِّ، وَزَالَ التَّعَاطُفُ وَالتَّرَاحُمُ، وَقَلَّتِ الثِّقَةُ مِنْ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَلَا يَكَادُ يَثِقُ الْمُسْلِمُ إِلَّا بِالْأَجْنَبِيِّ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ فَسَادِ الْأَخْلَاقِ وَقُبْحِ الْفِعَالِ فِي الْأَفْرَادِ، وَأَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ انْحِلَالُ الرَّوَابِطِ الْمِلِّيَّةِ، بَلْ تَقَطُّعُ أَكْثَرِهَا، حَتَّى كَادَتِ الْأُمَّةُ تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا أُمَّةً حَقِيقِيَّةً مُتَكَافِلَةً بِالْمَصَالِحِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْأَعْمَالِ الْمُشْتَرَكَةِ الَّتِي تَحْفَظُ وَحْدَتَهَا، وَطَفِقَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ الْمُتَمَدِّنِينَ الَّذِينَ قَطَعُوا رَوَابِطَهَا بِأَيْدِيهمْ، يُفَكِّرُونَ فِي جَعْلِ الرَّابِطَةِ الْوَطَنِيَّةِ لِأَهْلِ كُلِّ قُطْرٍ بَدَلًا مِنَ الرَّابِطَةِ الْمِلِّيَّةِ الْجَامِعَةِ لِأَهْلِ الْأَقْطَارِ الْكَثِيرَةِ، فَلَمْ يُفْلِحُوا، وَلَكِنَّ أَثَرَ كَلَامِهِمْ أَرْدَأَ التَّأْثِيرَ فِي مِصْرَ؛ فَالْأُمَّةُ الْآنَ فِي دَوْرِ الِانْسِلَاخِ عَمَّا كَانَتْ بِهِ أُمَّةً بِسِيرَةِ سَلَفِهَا الصَّالِحِينَ، فَتَنَكَّبَهَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [19: 59] وَهَذَا الِانْسِلَاخُ هُوَ الْغَيُّ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِهِ فِي الدُّنْيَا.
وَأَمَّا أَثَرُ ذَلِكَ فِي الْقُرَى وَالْمَزَارِعِ فَاسْتِحْلَالُ جَمَاهِيرِ الْفَلَّاحِينَ لِإِهْلَاكِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ عَمَلًا لَا قَوْلًا، وَذَلِكَ بِاعْتِدَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى زَرْعِ بَعْضٍ بِالْقَلْعِ قَبْلَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ وَبِالسَّرِقَةِ بَعْدَهَا، وَعَلَى بَهَائِمِهِ بِالْقَتْلِ بِالسُّمِّ أَوِ السِّلَاحِ، بَلْ بِاعْتِدَائِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالسَّلْبِ وَالنَّهْبِ وَالْقَتْلِ، حَتَّى أَعْيَا ذَلِكَ الْحُكُومَةَ عَلَى اهْتِمَامِهَا بِأَمْرِهِمْ، فَبِلَادُ الْأَرْيَافِ الْمِصْرِيَّةِ لَا أَمْنَ فِيهَا عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ بِتَأْمِينِ الْحُكُومَةِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالْبَوَادِي الَّتِي لَيْسَ فِيهَا حُكَّامٌ، لَا يَعْتَمِدُ أَحَدٌ عَلَى غَيْرِ نَفْسِهِ وَعُصْبَتِهِ فِي حِفْظِ نَفْسِهِ وَحَقِيقَتِهِ، وَلَوْ حَافَظَ هَؤُلَاءِ وَأُولَئِكَ عَلَى الصَّلَوَاتِ كَمَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى لَانْتَهَوْا عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ بِالْوَازِعِ النَّفْسِيِّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ كَمَا يَقُولُ مُخْتَارُ بَاشَا الْغَازِيُّ، كَالْبُولِيسِ الْمُحْتَسِبِ الْمُلَازِمِ يَمْنَعُ مِنْ عَمَلِ السُّوءِ، وَأَنَّى يُحَافِظُونَ عَلَيْهَا وَمِنْهُمُ الَّذِي كَفَرَ بِاللهِ تَقْلِيدًا، وَمِنْهُمُ الَّذِي آمَنَ تَقْلِيدًا بِمَا وَجَدَ عَلَيْهِ آبَاءَهُ، وَهُوَ أَنَّ مَرْضَاةَ اللهِ تَعَالَى بِالنَّجَاةِ مِنْ عَذَابِهِ وَالْفَوْزِ بِنَعِيمِ الْآخِرَةِ عِنْدَهُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِوَاسِطَةِ أَحَدِ الْأَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِينَ وَإِنَّمَا يَتَوَسَّطُونَ لِمَنْ يُحْتَفَلُ بِمَوَالِدِهِمْ، أَوْ يُسَيَّبُ لَهُمُ السَّوَائِبُ مِنَ الْبَقَرِ وَغَيْرِ الْبَقَرِ، وَيُقَدَّمُ لِأَضْرِحَتِهِمُ الْهَدَايَا وَالنُّذُورُ، وَمِنْهُمُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ كَيْفِيَّةَ أَقْوَالِ الصَّلَاةِ وَأَعْمَالِهَا الْبَدَنِيَّةِ يُؤَدُّونَهَا وَهُمْ عَنِ اللهِ سَاهُونَ، يُرَاءُونَ النَّاسَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} [107: 4] وَإِنَّمَا الْمُحَافِظُونَ عَلَى الصَّلَاةِ هُمُ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [23: 1، 2] إِلَخْ الْآيَاتِ.
الْمُحَافِظُ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ الْفُضْلَى يَنْتَهِي عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، فَلَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بُيُوتِ الْقِمَارِ وَمَعَاهِدِ اللهْوِ وَالْفِسْقِ.
الْمُحَافِظَ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ لَا يَمْنَعُ الْمَاعُونَ، بَلْ يَبْذُلُ مَعُونَتَهُ وَرِفْدَهُ لِمَنْ يَرَاهُ مُسْتَحِقًّا لَهُمَا.
الْمُحَافِظُ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ لَا يُخْلِفُ وَلَا يَلْوِي فِي حَقِّ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا فَرَضَهُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوِ الْتَزَمَهُ بِرًّا بِغَيْرِهِ، كَالِاشْتِرَاكِ فِي الْجَمْعِيَّاتِ الْخَيْرِيَّةِ.
الْمُحَافِظُ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ لَا يُضِيعُ حُقُوقَ أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ، وَلَا حُقُوقَ أَقَارِبِهِ وَجِيرَانِهِ، وَلَا حُقُوقَ مُعَامِلِيهِ وَإِخْوَانِهِ.
الْمُحَافِظُ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ يُعَظِّمُ الْحَقَّ وَأَهْلَهُ، وَيَحْتَقِرُ الْبَاطِلَ وَجُنْدَهُ، فَلَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ وَلَا لِأُمَّتِهِ بِالذُّلِّ وَالْهَوَانِ، وَلَا يَغْتَرُّ بِأَهْلِ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ.
الْمُحَافِظُ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ لَا تُجْزِعُهُ النَّوَائِبُ، وَلَا تَفُلُّ غِرَارَ عَزْمِهِ الْمَصَائِبُ، وَلَا تُبْطِرُهُ النِّعَمُ، وَلَا تَقْطَعُ رَجَاءَهُ النِّقَمُ، وَلَا تَعْبَثُ بِهِ الْخُرَافَاتُ وَالْأَوْهَامُ، وَلَا تَطِيرُ بِهِ رِيَاحُ الْأَمَانِيِّ وَالْأَحْلَامِ، فَهُوَ الْإِنْسَانُ الْكَامِلُ الَّذِي يُؤْمَنُ شَرُّهُ، وَيُرْجَى فِي النَّاسِ خَيْرُهُ، وَلَوْ أَنَّ فِينَا طَائِفَةً مِنَ الْمُصَلِّينَ الْخَاشِعِينَ لَأَقَمْنَا بِهِمُ الْحُجَّةَ عَلَى الْمَارِقِينَ وَالْمُرْتَابِينَ.
وَلَكِنَّ الْمُحَافِظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى مَعَ الْقُنُوتِ وَالْخُشُوعِ قَدْ صَارَ أَنْدَرَ مِنَ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ، وَمَنْ عَرَفَهُ لَا يُصَدِّقُ أَنَّ لِلصَّلَاةِ يَدًا فِي آدَابِهِ الْعَالِيَةِ، وَاسْتِقَامَتِهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَكَأَنِّي بِبَعْضِ الْقَارِئِينَ لِمَا تَقَدَّمَ وَقَدْ مَلُّوا مِنْهُ، وَرَمَوُا الْكَاتِبَ بِالْغُلُوِّ فِيهِ: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ} [47: 24، 25].
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} أَيْ: فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ فِيهَا قَانِتِينَ مُجْتَمِعِينَ فَيَفْتِنَكُمُ الْأَعْدَاءُ بِهُجُومِهِمْ عَلَيْكُمْ، أَوْ إِنْ خِفْتُمْ أَيَّ خَطَرٍ أَوْ ضَرَرٍ مِنْ قِيَامِكُمْ قَانِتِينَ فَصَلُّوا كَيْفَمَا تَيَسَّرَ لَكُمْ رَاجِلِينَ أَوْ رَاكِبِينَ، فَالرِّجَالُ جَمْعُ رَاجِلٍ وَهُوَ الْمَاشِي، وَالرُّكْبَانُ جَمْعُ رَاكِبٍ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: هَذَا تَأْكِيدٌ لِلْمُحَافَظَةِ، وَبَيَانُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَسْقُطُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ حَالَ الْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ، أَوِ الْعِرْضِ، أَوِ الْمَالِ هُوَ مَظِنَّةُ الْعُذْرِ فِي التَّرْكِ، كَمَا يَكُونُ السَّفَرُ عُذْرًا فِي تَرْكِ الصِّيَامِ، وَكَالْأَعْذَارِ الْكَثِيرَةِ لِتَرْكِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَاسْتِبْدَالِ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِهَا، وَالسَّبَبُ فِي عَدَمِ سُقُوطِ الصَّلَاةِ عَنِ الْمُكَلَّفِ بِحَالٍ أَنَّهَا عَمَلٌ قَلْبِيٌّ، وَإِنَّمَا فُرِضَتْ فِيهَا تِلْكَ الْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ لِأَنَّهَا مُسَاعِدَةٌ عَلَى الْعَمَلِ الْقَلْبِيِّ الْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ، وَهُوَ تَذَكُّرُ سُلْطَانِ اللهِ تَعَالَى الْمُسْتَوْلِي عَلَيْنَا وَعَلَى الْعَالَمِ كُلِّهِ، وَمِنْ شَأْنِ الْإِنْسَانِ إِذَا أَرَادَ عَمَلًا قَلْبِيًّا يَجْتَمِعُ فِيهِ الْفِكْرُ، وَيَصِحُّ فِيهِ تَوَجُّهُ النَّفْسِ، وَحُضُورُ الْقَلْبِ أَنْ يَسْتَعِينَ عَلَى ذَلِكَ بِبَعْضِ مَا يُنَاسِبُهُ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذِهِ الْهَيْئَةَ الَّتِي اخْتَارَهَا اللهُ تَعَالَى لِلصَّلَاةِ هِيَ أَفْضَلُ مُعِينٍ عَلَى اسْتِحْضَارِ سُلْطَانِهِ، وَتَذَكُّرِ كَرَمِهِ، وَإِحْسَانِهِ، فَإِنَّ قَوْلَكَ: اللهُ أَكْبَرُ فِي فَاتِحَةِ الصَّلَاةِ، وَعِنْدَ الِانْتِقَالِ فِيهَا مِنْ عَمَلٍ إِلَى عَمَلٍ يُعْطِيكَ مِنَ الشُّعُورِ بِكَوْنِ اللهِ أَكْبَرَ وَأَعْظَمَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ تَشْغَلُ بِهِ نَفْسَكَ، وَتُوَجِّهُ إِلَيْهِ هَمَّكَ مَا يَغْمُرُ رُوحَكَ، وَيَسْتَوْلِي عَلَى قَلْبِكَ وَإِرَادَتِكَ. وَفِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَتَذَكُّرِ رَحْمَتِهِ، وَرُبُوبِيَّتِهِ، وَمُعَاهَدَتِهِ عَلَى اخْتِصَاصِكَ إِيَّاهُ بِالْعِبَادَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ، وَمِنْ دُعَائِهِ: لِأَنْ يَهْدِيَكَ صِرَاطَهُ الَّذِي اسْتَقَامَ عَلَيْهِ مَنْ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّةُ النِّعْمَةِ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ مَا فِيهَا مِمَّا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِهَا. وَكُلُّ مَا تَقْرَؤُهُ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ لَهُ فِي النَّفْسِ آثَارٌ مَحْمُودَةٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمَعَارِفِ الْعَالِيَةِ، وَالْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ، وَالْعِبَرِ الْعَظِيمَةِ، وَالْهِدَايَةِ الْقَوِيمَةِ. وَانْحِنَاؤُكَ لِلرُّكُوعِ وَلِلسُّجُودِ بَعْدَ ذَلِكَ يُقَوِّي فِي النَّفْسِ مَعْنَى الْعُبُودِيَّةِ، وَتَذَكُّرَ، عَظْمَةِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَنِعَمِ الرُّبُوبِيَّةِ، لِمَا فِي هَذَيْنِ الْعَمَلَيْنِ مِنْ عَلَامَةِ الْخُضُوعِ وَالْخُرُوجِ، عَنِ الْمَأْلُوفِ، وَمَا شُرِعَ فِيهِمَا مِنْ تَسْبِيحِ اللهِ، وَتَذَكُّرِ عَظَمَتِهِ، وَعُلُوِّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ.
فَإِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْكَ الْإِتْيَانُ بِبَعْضِ تِلْكَ الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ عَنْكَ هَذِهِ الْعِبَادَةَ الْقَلْبِيَّةَ الَّتِي هِيَ رُوحُ الصَّلَاةِ، وَغَيْرَهَا، وَهِيَ الْإِقْبَالُ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَاسْتِحْضَارُ سُلْطَانِهِ، مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى تِلْكَ الْأَعْمَالِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ الَّذِي لَا يَمْنَعُ مِنْ مُدَافَعَةِ الْخَوْفِ الطَّارِئِ مِنْ سَبُعٍ مُفْتَرِسٍ، أَوْ عَدُوٍّ مُغْتَالٍ، أَوْ لِصٍّ مُحْتَالٍ، وَكَيْفَ يَسْقُطُ طَلَبُ الصَّلَاةِ الْقَلْبِيَّةِ فِي حَالِ خَوْفٍ وَهُوَ يُسَاعِدُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ، أَوْ تَخْفِيفِ وَقْعِهِ؟ فَالْآيَةُ تُعَلِّمُنَا أَنَّهُ يَجِبُ أَلَّا يُذْهِلَنَا عَنِ اللهِ تَعَالَى شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَلَا يَشْغَلَنَا عَنْهُ شَاغِلٌ، وَلَا خَوْفٌ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} أَيْ: فَصَلُّوا مُشَاةً أَوْ رَاكِبِينَ كَيْفَمَا اتَّفَقَ، وَهَذَا فِي حَالَةِ الْمُلَاحَمَةِ فِي الْقِتَالِ، أَوْ مُقَاوَمَةِ الْعَدُوِّ، وَدَفْعِ الصَّائِلِ، أَوِ الْفِرَارِ مِنَ الْأَسَدِ؛ أَيْ: مُمَارَسَةِ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ، فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ وَقْتَ الصَّلَاةِ صَلَّى الْمُكَلَّفُ رَاجِلًا أَوْ رَاكِبًا لَا يَمْنَعُهُ مِنْ صَلَاتِهِ الْكَرُّ، وَالْفَرُّ، وَلَا الطَّعْنُ، وَالضَّرْبُ، وَيَأْتِي مِنْ أَقْوَالِ الصَّلَاةِ بِمَا يَأْتِي مَعَ الْحُضُورِ وَالذِّكْرِ، وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَلَا يَلْتَزِمُ التَّوَجُّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ. وَأَمَّا صَلَاةُ الْخَوْفِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ كَصَلَاةِ الْجُنْدِ الْمُعَسْكِرِ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ جَمَاعَةً فَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ.
{فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} أَيْ: زَالَ خَوْفُكُمْ وَاطْمَأْنَنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ؛ لِأَنَّهُ عَلَّمَكُمْ كَيْفَ تَعْبُدُونَهُ وَتُصَلُّونَ لَهُ فِي حَالِ الْخَوْفِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَوْنًا لَكُمْ عَلَى دَفْعِهِ؛ أَيْ: تَذَكَّرُوا نِعَمَهُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا التَّعْلِيمِ وَاشْكُرُوهُ لَهُ، هَذَا إِذَا قِيلَ: إِنَّ الْكَافَ لِلتَّعْلِيلِ، وَإِذَا قُلْنَا: إِنِ الْكَافَ لِلْبَدَلِيَّةِ فَالْمَعْنَى: فَاذْكُرُوهُ عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي عَلَّمَكُمْ إِيَّاهَا مِنْ قَبْلُ؛ أَيْ: فَصَلُّوا عَلَى السُّنَّةِ الْمَعْرُوفَةِ فِي الْأَمْنِ بِإِتْمَامِ الْقِيَامِ، وَالِاسْتِقْبَالِ، وَالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ.
{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}.
هَذِهِ الْآيَاتُ تَتِمَّةُ مَا فِي السُّورَةِ مِنْ أَحْكَامِ الْأَزْوَاجِ، وَقَدْ جَاءَ الْأَمْرُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ- وَالصَّلَاةُ عِمَادُ الدِّينِ- لِلْعِنَايَةِ بِهَا، فَمَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ كَانَ جَدِيرًا بِالْوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى وَالْعَمَلِ بِشَرِيعَتِهِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [2: 45] وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ ذَلِكَ، وَقَدْ خَطَرَ لِي وَجْهٌ آخَرُ هُوَ الَّذِي يَطَّرِدُ فِي أُسْلُوبِ الْقُرْآنِ الْخَاصِّ فِي مَزْجِ مَقَاصِدِ الْقُرْآنِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَمِنْ عَقَائِدَ، وَحِكَمٍ، وَمَوَاعِظَ، وَأَحْكَامٍ تَعَبُّدِيَّةٍ، وَمَدَنِيَّةٍ، وَغَيْرِهَا، وَهُوَ نَفْيُ السَّآمَةِ عَنِ الْقَارِئِ، وَالسَّامِعِ مِنْ طُولِ النَّوْعِ الْوَاحِدِ مِنْهَا، وَتَجْدِيدُ نَشَاطِهِمَا وَفَهْمِهِمَا، وَاعْتِبَارُهُمَا فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} إِلَخْ. فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ سَنَةً كَامِلَةً مُجَارَاةً لِعَادَاتِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ مَعَ تَخْيِيرِ الْمَرْأَةِ فِي الِاعْتِدَادِ فِي بَيْتِ الْمَيِّتِ، فَإِنِ اعْتَدَّتْ فِيهِ وَجَبَتْ نَفَقَتُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ وَحَرُمَ عَلَى الْوَرَثَةِ إِخْرَاجُهَا، وَإِنْ خَرَجَتْ هِيَ سَقَطَ حَقُّهَا فِي النَّفَقَةِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْأَةِ مِنْ مِيرَاثِ زَوْجِهَا إِلَّا هَذَا الْمَتَاعُ وَالنَّفَقَةُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ} مَعْنَاهُ فَلْيُوصُوا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ، أَوْ فَعَلَيْهِمْ وَصِيَّةٌ لِأَزْوَاجِهِمْ؛ إِذْ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ، وَحَمْزَةُ، وَحَفْصٌ، عَنْ عَاصِمٍ وَصِيَّةً بِالنَّصْبِ، وَقَرَأَهَا ابْنُ كَثِيرٍ، وَنَافِعٌ، وَالْكِسَائِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَاصِمٍ بِالرَّفْعِ، وَقَوْلُهُ: {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} مَعْنَاهُ: أَنْ يُمَتِّعُوا مَتَاعًا، أَوْ مَتِّعُوهُنَّ مَتَاعًا، كَأَنَّهُ قَالَ: فَلْيُوصُوا لَهُنَّ وَصِيَّةً وَلْيُمَتِّعُوهُنَّ مَتَاعًا إِلَى آخِرِ الْحَوْلِ، وَقِيلَ: إِنَّ التَّقْدِيرَ جَعَلَ اللهُ ذَلِكَ لَهُنَّ مَتَاعًا. وَقَوْلُهُ: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} مَعْنَاهُ غَيْرُ مُخْرَجَاتٍ؛ أَيْ: يَجِبُ ذَلِكَ لَهُنَّ مُقِيمَاتٍ فِي دَارِ الْمَيِّتِ غَيْرَ مُخْرَجَاتٍ، فَلَا يُمْنَعْنَ السُّكْنَى. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: الْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ مَتَاعًا مَصْدَرٌ بِمَعْنَى تَمْتِيعًا، أَوْ مَعْمُولٌ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ وَصِيَّةٌ، وَمَعْنَى {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} غَيْرُ مُخْرَجَاتٍ، وَهُوَ حَالٌ مِنَ الْأَزْوَاجِ، وَالنُّكْتَةُ فِي الْعُدُولِ عَنْهُ هِيَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يُوصِيَ الرَّجُلُ بِعَدَمِ إِخْرَاجِ زَوْجِهِ، وَأَنْ يُنْفِذَ أَوْلِيَاؤُهُ وَصِيَّتَهُ فَلَا يُخْرِجُونَهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ، وَلَوْ قَالَ: {غَيْرَ مُخْرَجَاتٍ} لَكَانَ تَحْتِيمًا عَلَيْهِنَّ بِالْبَقَاءِ فِي الْبُيُوتِ وَلَأَفَادَ عَدَمَ جَوَازِ إِخْرَاجِهِنَّ لِأَحَدٍ، وَلَوْ كَانَ وَلِيًّا كَأَبِيهَا، وَلَيْسَ هَذَا بِمُرَادٍ، فَعِبَارَةُ الْآيَةِ تُفِيدُ الْمَعْنَى الْمُرَادَ، وَلَا تُوهِمُ سِوَاهُ. هَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ، فَهِيَ عِنْدَهُمْ تُوجِبُ أَنْ تَكُونَ عِدَّةُ الْوَفَاةِ سَنَةً كَامِلَةً وَأَنْ يُنْفَقَ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ تَرِكَةِ زَوْجِهَا مُقِيمَةً فِي دَارِهِ لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا مِنْهُ إِلَّا أَنْ تَخْرُجَ بِاخْتِيَارِهَا فَتَسْقُطَ نَفَقَتُهَا.
قَالُوا: ثُمَّ نُسِخَتْ بِجَعْلِ الْعِدَّةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا كَمَا فِي تِلْكَ الْآيَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ عَلَيْهَا فِي الذِّكْرِ، وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهَا فِي النُّزُولِ، وَبِجَعْلِهَا وَارِثَةً لِلزَّوْجِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ مَعَ تَحْرِيمِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ فِي الْحَدِيثِ. أَقُولُ: وَعَلَيْهِ يَكُونُ الْإِصْلَاحُ لِتِلْكَ الْعَادَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الِاعْتِدَادِ لِوَفَاةِ الزَّوْجِ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنَ الْحِدَادِ عَلَيْهِ قَدْ حَصَلَ بِالتَّدْرِيجِ، فَأُقِرَّتْ مُدَّةُ الْعِدَّةِ أَوَّلًا، وَلَكِنْ مُنِعَ أَنْ تَكُونَ بِتِلْكَ الْحَالَةِ الرَّدِيئَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، ثُمَّ نُسِخَتْ بِمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَهُنَاكَ وَجْهٌ آخَرُ يَتَّصِلُ بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ أَنَّ الْآيَةَ كَانَتْ فِي فَرْضِ الْوَصِيَّةِ، وَطُلِبَ مَعَ هَذَا الْفَرْضِ مِنْ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ أَلَّا يُخْرِجُوا النِّسَاءَ فِي مُدَّةِ الْحَوْلِ، وَأَنَّ الْخُرُوجَ الَّذِي يَبْرَأُ بِهِ أَوْلِيَاءُ الْمَيِّتِ مِنَ الْوَصِيَّةِ الْمَفْرُوضَةِ الَّتِي هِيَ النَّفَقَةُ هُوَ الْخُرُوجُ الَّذِي بَعْدَ الْعِدَّةِ الَّتِي هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَعَشْرٌ، قَالَ: وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا التَّرَبُّصَ الَّذِي هُوَ الِاعْتِدَادُ كَمَا ذَكَرَ فِي غَيْرِهَا مِنْ آيَاتِ الْعِدَّةِ السَّابِقَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْوَصِيَّةَ، وَالْمُرَادُ بِهَا أَنْ يَسْتَوْصِيَ الرِّجَالُ بِالنِّسَاءِ اللَّوَاتِي يُتَوَفَّى أَزْوَاجُهُنَّ خَيْرًا بِأَلَّا يُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِ أَزْوَاجِهِنَّ بَعْدَ مَا كَانَ مِنْ قُوَّةِ عَلَاقَتِهِنَّ بِهَا إِلَى مُدَّةِ سَنَةٍ كَامِلَةٍ تَمُرُّ فِيهَا عَلَيْهِنَّ الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي يَتَذَكَّرْنَ أَزْوَاجَهُنَّ فِيهَا، وَأَنْ يُجْعَلَ لَهُنَّ فِي مُدَّةِ السَّنَةِ شَيْءٌ مِنَ الْمَالِ يُنْفِقْنَهُ عَلَى أَنْفُسِهِنَّ، إِلَّا إِذَا خَرَجْنَ وَتَعَرَّضْنَ لِلزَّوَاجِ، أَوْ تَزَوَّجْنَ بَعْدَ الْعِدَّةِ الْمَفْرُوضَةِ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يَعْمَلْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ بِهَذَا؛ وَلِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَذَهَبَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْوَصِيَّةِ كَانَ لِلنَّدْبِ وَتَهَاوَنَ النَّاسُ بِهِ كَمَا تَهَاوَنُوا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَنْدُوبَاتِ- أَيْ كَاسْتِئْذَانِ الْأَوْلَادِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ عِنْدَ دُخُولِ بُيُوتِهِمْ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ التَّهَاوُنِ بِالسِّتْرِ، قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ وَضْعِ الثِّيَابِ مِنَ الظَّهِيرَةِ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ- قَالَ: وَعَلَى هَذَا فَلَا نَسْخَ لِأَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَارُ إِلَى النَّسْخِ إِذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّصَّيْنِ.
هَذَا مَا جَرَى عَلَيْهِ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، وَفِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ عَزَيْتُ مُخَالَفَةَ الْجُمْهُورِ إِلَى كَبِيرَيْنِ مِنْ قُدَمَاءِ الْمُفَسِّرِينَ وَهُمَا مُجَاهِدٌ، وَأَبُو مُسْلِمٍ، أَمَّا مُجَاهِدٌ فَقَدْ رَوَى عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهُ يَقُولُ: نَزَلَ فِي عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا آيَتَانِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [2: 234] الْآيَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ، وَهَذِهِ الْآيَةُ. فَيَجِبُ حَمْلُ الْآيَتَيْنِ عَلَى حَالَتَيْنِ، فَإِنِ اخْتَارَتِ الْإِقَامَةَ فِي دَارِ زَوْجِهَا الْمُتَوَفَّى وَالنَّفَقَةَ مِنْ مَالِهِ فَعِدَّتُهَا سَنَةٌ، وَإِلَّا فَعِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، فَيَكُونُ لِلْعِدَّةِ عَلَى قَوْلِهِ أَجَلٌ مُحَتَّمٌ، وَهُوَ الْأَقَلُّ، وَأَجَلٌ مُخَيَّرٌ فِيهِ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ. وَأَمَّا أَبُو مُسْلِمٍ فَيَقُولُ: إِنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: مَنْ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَقَدْ وَصَّوْا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ بِنَفَقَةِ الْحَوْلِ وَسُكْنَى الْحَوْلِ، فَإِنْ خَرَجْنَ قَبْلَ ذَلِكَ وَخَالَفْنَ وَصِيَّةَ الْأَزْوَاجِ بَعْدَ أَنْ يُقِمْنَ الْمُدَّةَ الَّتِي ضَرَبَهَا اللهُ تَعَالَى لَهُنَّ، فَلَا حَرَجَ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ أَيْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ إِقَامَتَهُنَّ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ غَيْرُ لَازِمَةٍ، قَالَ: وَالسَّبَبُ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُوَصُّونَ بِالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى حَوْلًا كَامِلًا، وَكَانَ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الِاعْتِدَادُ بِالْحَوْلِ؛ فَبَيَّنَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَالنَّسْخُ زَائِلٌ.